محمد أبو زهرة

1956

زهرة التفاسير

ظاهرا إلا بعد تهديد غليظ ، ثم نقضوا ما عاهدوا الله تعالى عليه وقتلوا الأنبياء وكذبوا على الأبرياء . فالظلم إذن هو هذا الكفر الذي أوغلوا فيه إيغالا . ولا شك أن ما جاء بعد ذلك ظلم بين ، فالصد عن سبيل الله ظلم ، وأخذهم الربا ظلم ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ظلم ، وكل واحدة من هذه الجرائم التي أركسوا فيها ظلم وذنب ، ولذلك صح أن تذكر كل واحدة منها منفردة ، وإن كانت تدخل في عموم كلمة ظلم . ولكن عند اجتماعها مع هذه الجرائم تخصص كل كلمة بما ذكر أولا أنهم ارتكبوه ، ودل على غلظ أكبادهم وقسوة قلوبهم ، وكفرهم الصريح وهو أشد أنواع الظلم ، وإن الشرك لظلم عظيم . وقد ذكر سبحانه وتعالى العقوبة بقوله تعالى : حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً هذا هو حكم الله تعالى الذي قرره تهذيبا وتأديبا لهم ، وفطما لنفوسهم عن الشهوات ، ولقلوبهم التي استغرقتها المادة ، والنفوس إذا فطمت تتهذب ، وقد تذهب قسوتها . حرم الله سبحانه وتعالى أمورا كانت حلالا لهم ، وهي بتكوينها من الطيبات التي أحلها الله تعالى ، وليست من الخبائث التي يحرمها الله تعالى ، فهي في أصل تكوينها طيبات من شأنها الحل ، ولكن حرم بعضها عليهم تهذيبا وتربية لكي تذهب عن قلوبهم بعض القسوة ، وبعض الأنانية التي استولت عليها ، والتنكير في قوله تعالى : « طَيِّباتٍ » فيه إشارة إلى أنه لم تحرم كل الطيبات ، بل بعض منها ، وقد بينه سبحانه وتعالى بقوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 146 ) [ الأنعام ] . وإنه يلاحظ أن هذه المحرمات من الطيبات من شأن الإكثار منها أن يوجد شحما في الجسم واسترخاء ، وحيث كان الجسم كذلك تضعف الهمة ، وحيث ضعفت الهمة ، كانت محبة المادة ، والكسب الرخيص ، وطلب من غير الله ، وقد